لكل بلد مطربوه المحبوبون. لكن قلة من البلدان عرفت مغنيًا صار صوته، بمعنى عملي ما، جزءًا من صوت الدولة نفسها — يُبَث في اللحظات الوطنية الفاصلة، ويدخل في تصوّر المواطنين لبلدهم. شغلت أم كلثوم هذا الموقع في مصر عقودًا، وقصة ذلك تستحق أن تُروى بتأنٍّ، بلا تقديس ولا تهوين.

الغناء لمصر

لم يخترع دورَها الوطني نظامُ حكم بعينه، بل تراكم تراكمًا. فمنذ الثلاثينيات سجّلت أغاني وطنية وأعمالًا دينية وضعت صوتها في قلب المناسبات العامة، في العهد الملكي أولًا ثم في الجمهورية. ولما تولى الضباط الأحرار الحكم عام 1952 توثّقت العلاقة: كانت الدولة الجديدة تبني ثقافة جماهيرية عبر الإذاعة، وكانت هي حاضرة الإذاعة الأولى بلا منازع. غنّت لأعياد الثورة ومشروعاتها، وأدركت الرئاسة أن حفلاتها الشهرية تبلغ الشارع العربي أوثق مما يبلغه أي بيان.

ومن الإنصاف أن نلاحظ — كما يلاحظ مؤرخو تلك الحقبة — أن هذا القرب كان ذا حدّين: الإذاعة الرسمية ضخّمتها، وهي منحت الدولة صوتًا لا تُدانى هيبته. لكن الذي عصم العلاقة من أن تكون دعاية خالصة أن جوهر فنّها ظل الحب والشوق والفقد: فالجمهور الذي سمعها تغني لمصر هو نفسه الذي بكى مع الأطلال. كان الصوت الوطني والصوت الحميم آلة واحدة، يستمد كلٌّ منهما قوته من الآخر. وحين أثمرت شراكتها مع محمد عبد الوهاب عام 1964 أغنيةَ إنت عمري، تعاملت الصحافة مع أول عرض لأغنية حب كأنه شأن دولة — وكان قد صار كذلك فعلًا.

بعد الهزيمة

انتهت حرب يونيو 1967 بهزيمة سمّاها المصريون «النكسة». وفي أعقابها حوّلت أم كلثوم — وهي تقترب من السبعين، وأشهر امرأة في العالم العربي — شهرتها إلى مجهود حربي. أعلنت حملة حفلات خيرية لصالح الدولة المصرية وقضت السنوات التالية على الطريق: حفلات في أنحاء مصر والعالم العربي، وأشهرها في مسرح الأولمبيا بباريس أواخر 1967، وكانت أول حفلاتها الكبرى خارج المنطقة.

ذهب الريع — وتجمع الروايات على أنه بلغ الملايين — إلى خزينة الدولة، وربما فاق مردودُ الحملة الرمزي المالَ نفسه. ففي مدينة بعد مدينة صارت الحفلات مناسبات للعزيمة العامة: برهانًا على أن الثقافة التي أريدَ للهزيمة أن تكسرها ما زالت تملأ أي قاعة على وجه الأرض. وإلى هذا الفصل تنتمي أعمالها المتأخرة الضخمة مثل ألف ليلة وليلة عام 1969 — بلد جريح يصرّ، بأقصى اتساع أوركسترالي، على بهائه. وبدأ المستمعون يسمعون الأغاني القديمة سماعًا سياسيًا أيضًا: فبعد 1967 اكتسب نداء الحرية الشهير في الأطلال رنينًا لا يملك رقيب أن يمنحه أو ينتزعه.

أم الدنيا

يسمّي المصريون بلدهم «أم الدنيا»، وهي عبارة تدّعي لمصر نوعًا من أمومة راسخة بين الأمم. وكان الجناس بين هذا اللقب واسم المغنية أقرب من أن يُقاوَم، وما قاومته الثقافة: فتُحُدّث عن أم كلثوم بوصفها الصوت الأم للوطن الأم. وألقابها الأخرى تحكي القصة نفسها من زوايا مختلفة: «كوكب الشرق»، و«الست» بحنوّ واختصار، وكأنْ ليس في الدنيا سواها.

ويجدر أن نتحرى الدقة في ماهية هذا الثقل. لم يكن عبادة إجماعية؛ فقد وُجد دومًا مستمعون، لا سيما من الشباب في الستينيات، رأوا في السهرات الكلاسيكية الطويلة نصبًا للماضي. كان شيئًا أندر: الإجماع. عبر الطبقات والأقاليم والانقسامات السياسية كانت أرضًا مشتركة — الحقيقة الثقافية الوحيدة تقريبًا التي يستطيع الجميع في العالم العربي اقتسامها. والملحنون الذين بنوا فنّها، وعلى رأسهم رياض السنباطي، كانوا يبنون لذلك الجمهور كله دفعة واحدة، وهم يعلمون.

إرث بميزان

استقطبت جنازتها عام 1975 ملايين المشيّعين إلى شوارع القاهرة، يبكون مؤسسة وطنية بقدر ما يبكون امرأة. ولم تزد العقود التالية المشهد إلا وضوحًا: تسجيلاتها حاضرة يوميًا على الأثير العربي، ولم يجمع خلفٌ لها شيئًا يشبه إجماعها — فالبيئة الإعلامية التي أتاحته لم تعد موجودة.

والخلاصة المنصفة ليست أسطرة ولا تجريحًا: كانت فنانة بالغة الانضباط وافق صعودُها صعودَ الإذاعة الجماهيرية ودولةٍ تبني أمة، فاستثمرت هذا الاقتران — في خدمة الدولة أحيانًا، وفي خدمة جمهورها دائمًا — حتى صارت صوتَ شعورِ بلدٍ بنفسه. والأغاني في هذا الأرشيف، ومعها سيرتها، هي البيّنة — وما زالت تؤدي عملها.