إن سألت لماذا تبدو أغنية لأم كلثوم على ما هي عليه — لماذا توجع إحداها، وتتوهج أخرى، وتبدو ثالثة معلّقة في الهواء — فسيصل الجواب عاجلًا أو آجلًا إلى كلمة واحدة: المقام. نظام المقامات هو النحو اللحني للموسيقى العربية، والمستمع لا يحتاج نظرية ليشعر به، لكن قليلًا من النظرية يجعل الشعور مقروءًا.
أكثر من سُلّم
يُترجم «المقام» كثيرًا بكلمة «سُلّم»، وذلك أقل ما فيه. صحيح أن كل مقام يحدد مجموعة من الدرجات، لكنه يحمل أيضًا قواعد سلوك: أي النغمات يُتَمهَّل عندها وأيها يُمَرّ عليه خفيفًا، وأين تستقر الجملة، وبأي ترتيب يكشف اللحن أرضه. ولهذا الانكشاف اسمه الخاص: السير. قد يتشارك مقامان معظم درجاتهما ويبقيان مختلفين لا يلتبسان، كما يمشي شخصان في الشارع نفسه بمشيتين مختلفتين تمامًا.
بفضل السير يقترب المقام من الشخصية أكثر مما يقترب من السلّم. وكان ملحنو عصر أم كلثوم — ورياض السنباطي في طليعتهم — أساتذة هذا النحو: يحفظون لكل مقام طبعه ساعة كاملة، ويرتحلون إلى المقامات المجاورة ثم يعودون إلى الديار بإحساس وصولٍ يستقبله الجمهور كما تُستقبل خاتمة حكاية.
ما بين النغمات
أشهر ما في هذا النظام تلك المسافة التي يعجز البيانو الغربي عن أدائها: ما يسمى «ربع الصوت». تقسم الموسيقى العربية الديوان تقسيمًا أدق من شبكة الأنصاف الغربية الاثني عشر، فتقع بعض الدرجات بين مفاتيح البيانو — وأبرزها الدرجة «نصف المخفوضة». وليست هذه نغمات ناشزة، بل درجات موضوعة بدقة، والأذن التي تربّت على هذه الموسيقى يجرحها غيابها لا حضورها. وأرباع الأصوات هي السبب في أن الكمان والعود والناي والقانون — وهي آلات تلوي النغم أو تضعه بحرّية — تشكّل قلب التخت والفرقة، وفي أن البيانو الثابت الدرجات لم يستوطن هذا الفن قط.
أربعة مقامات من الأرشيف
أغاني هذا الأرشيف تجعل التجريد مسموعًا. أربعة مقامات، أربعة طباع.
الراست يسمّونه أبا المقامات: راسخ، دافئ، معتدل القامة، تلطّف ثالثتُه نصف المخفوضة ثقتَه فتحوّلها حنانًا. إنه مقام النُبل بلا تصلّب، فلا غرابة أن يحمل دلال غني لي شوي شوي حيث يحفظ لحن زكريا أحمد وقاره وهو يبتسم.
الكرد لا يحوي ربع صوت واحدًا، فيكتسب ملامح نظيفة حديثة. لونه شاكٍ حميم — جمرة هادئة لا لهب. إنه مقام إنت عمري، حيث استخدم محمد عبد الوهاب مباشرته ليجعل أغنية حب هائلة تبدو همسًا في أذن شخص واحد.
الهزام من عائلة السيكاه التي درجتها الأساس نفسها نصف مخفوضة؛ فالأرض النغمية كلها منزاحة ربع صوت عن الشبكة الغربية، ولذلك يبدو المقام محلّقًا لا يلمس الأرض. طبعه موجِع، سامٍ، فيه شيء من عالم آخر، فناسَب الإنشاد الديني وشعر الفقد معًا. إنه مقام الأطلال، وكثير من رثائية تلك الأغنية وطفوّها هو الهزام يعمل عمله بصمت.
الفرحفزا قريب منخفض القرار من عائلة النهاوند ذات النكهة الحزينة، واسمه فارسي الأصل يوحي بـ«مزيد الفرح». والتسمية نصف صادقة: لونه احتفال يظلّله شجن، عيدٌ في الليل. اختاره بليغ حمدي لأغنية ألف ليلة وليلة فمنح أغنيةً عن حب بلا ضفاف بريقَ الليالي الألف وعتمتها معًا.
المقام والطرب
ولماذا يعني هذا كله المستمع؟ لأن نظام المقامات هو محرّك الطرب — تلك النشوة الموسيقية التي وُجد هذا الفن كله ليصنعها. والطرب ليس غيبوبة فردية بل دائرة علنية متبادلة: تلوي المغنية الجملة أعمق في المقام، فيصيح الجمهور، فتجيز الصيحة لَيّةً أعمق، ويكفّ عقرب الساعة عن الأهمية.
المقام يتيح ذلك لأنه يمنح المؤدي والجمهور خريطة مشتركة؛ فكل من في القاعة يعرف، بلا دراسة، أين ينبغي أن يستقر اللحن، وماذا يعني تأجيل ذلك الاستقرار مرة أخرى. وعبقرية أم كلثوم في طول ما استطاعت شدّ وتر الخريطة — تعيد السطر خمس مرات وعشرًا وخمس عشرة، كل إعادة تكشف طيّة أخرى من المقام — قبل أن تمنح الحل. للنظرية معجمها، لكن هدير الجمهور لحظة الوصول هو تعريف المقام الوحيد الذي يبقى في النهاية.