ليست كل أغنية لأم كلثوم أغنيةً بالمعنى الدارج. فكثير منها قصائد — أي تلحين لقصائد عربية فصيحة، تُغنّى بالعربية الأدبية لا بالعامية المصرية، ومنبعها تقليد شعري أقدم من الإسلام نفسه. وكان غناء القصيدة أصعبَ ما يقدم عليه المطرب العربي وأرفعَه مكانةً، وقد بنت أم كلثوم شطرًا كبيرًا من هيبتها على أن تؤدّيه أفضل من أي حيٍّ في زمانها.

ما هي القصيدة

القصيدة (وجمعها قصائد) هي الشكل الأعلى في الشعر العربي الكلاسيكي، تمتد جذوره إلى معلّقات الجاهلية. وفي صورتها الصارمة قصيدةٌ طويلة على بحرٍ واحد، تنتهي كل أبياتها على القافية نفسها من أولها إلى آخرها — انضباطٌ قد يمتد عشرات الأبيات دون أن تتبدل القافية قط. وينقسم كل بيت شطرين متوازنين، يهبط ثانيهما على القافية الملزِمة كالجرس يُقرَع في ختام كل نبضة.

والأهم أن القصيدة تُنظَم بالفصحى، عربيةِ القرآن والتراث الأدبي الرفيعة، لا باللهجة الدارجة. وهذا ما يفصلها عن الأغنية العامية العادية، وعن المونولوج، ذلك الشكل الدرامي بضمير المتكلم الذي شاع في سنوات أم كلثوم القاهرية الأولى. تحمل القصيدة ثقل أربعة عشر قرنًا من الشعر؛ ومن يلحّنها إنما يُحاسَب أمام هذا التراث كله.

لماذا كانت بهذه المكانة

لم يكن الشاعر في الثقافة العربية مجرد مسلٍّ قط. فالشعر أرفع الفنون التقليدية، وذاكرة اللغة، والوعاء الذي يصون فيه شعبٌ أجمل ما قال. والمطرب الذي يقدر أن يأخذ قصيدة عظيمة فيحييها صوتًا لا يزيّن الكلمات بل يكرّمها — ويُقاس إليها في الوقت نفسه.

والقصيدة تُطرِي سامعها أيضًا؛ فتتبّع القصيد الكلاسيكي يستلزم أذنًا متعلمة: معرفةً بالمفردة والصورة والشاعر. وحين كانت أم كلثوم تغنّي الفصحى لقاعة فيها الآلاف فتجيبها القاعة بيتًا ببيت، كان ذلك برهانًا علنيًّا أن هذا الميراث الأدبي ما زال ملكًا للجميع، لا للعلماء وحدهم. ومن هنا كثيرٌ من إحساس الناس بأن قصائدها مناسباتٌ وطنية.

الشعراء والملحّن

تستند قصائد أم كلثوم إلى عمالقة النهضة الشعرية الحديثة وما وراءها. فقد أمدّها أحمد شوقي — الملقّب بأمير الشعراء — بأفخم ما غنّت، من أُنشودة الحب والفقد سلوا قلبي إلى القصيدة النبوية نهج البردة، صداها الحديث للبردة الوسيطة في مدح النبي. وكتب الرومانسيّ من مدرسة أبولّو إبراهيم ناجي قصيدة الأطلال، التي يستحضر عنوانها ذاته أقدم مطالع القصيد: وقوف الشاعر يبكي على دار الحبيبة المهجورة. أما الأمير الشاعر أبو فراس الحمداني، الذي نظم من سجنٍ بيزنطي قبل ألف عام، فهو صوت أراك عصيَّ الدمع — دليلًا على أن قِدَم القصيدة لم يكن حاجزًا عن المسرح.

ويتردد اسمٌ واحد تحت أكثرها: رياض السنباطي. فقد تخصّص أكثر من أي ملحّن في وضع الشعر الفصيح لأم كلثوم، وكانت موهبته أن يدع القصيدة تقود — أن يصوغ لحنًا يجلّي البحر والمعنى بدل أن يصارعهما. حتى رباعيات الخيام، صياغةَ أحمد رامي العربية لرباعيات عمر الخيام الفارسية، صارت في يد السنباطي تأمّلًا ممتدًّا في الزمن والفناء يعدّه كثيرون من ذُرى فنّها.

غناء البيت الفصيح

تفرض القصيدة على الصوت مطالبَ فريدة. فنطق الفصحى ينبغي أن يكون بلا عيب — كل إعرابٍ وكل مدٍّ في موضعه — لأن الجمهور المتعلم يسمع الخطأ كما يسمع النشاز. والأبيات الطويلة المتناظرة تكافئ النَّفَس الهائل والصبر على أن يتفتح البيت الواحد على مهل. ولأن الكلام كثيف مبجَّل، لا يستطيع المطرب أن يستتر خلف إيقاع أو لازمة جذّابة؛ فالفن كله في إضاءة القصيدة.

وهذه تحديدًا أرضٌ لم تُبارَ عليها أم كلثوم. كانت تأخذ بيتًا واحدًا لشوقي أو لناجي فتقلّبه عشرًا وخمس عشرة صورة، كل إعادةٍ تجد ظلًّا آخر للمعنى، حتى تبدو القصيدة كأنها انتظرت عمرها كله لتُغنّى هكذا بالضبط. في قصائدها يلتقي أرفع فنّي الثقافة — شعرها وموسيقاها — نِدَّين، وليس عبثًا أن تكون هذه هي التسجيلات التي يعود إليها أشدُّ محبّيها أولًا.