لم تكن أم كلثوم تكتب ألحانها. كانت عبقريتها عبقرية المؤدّية — لكنه أداءٌ من الطراز الأرفع، الأداء الذي جعل الملحّنين يكتبون أجمل ما عندهم وهم يعرفون أيّ صوتٍ سيحمله. وعلى مدى نصف قرن بنت دائرةٌ صغيرة من الملحّنين الموسيقى التي صارت «أغنية أم كلثوم»، ومنحها كلٌّ منهم صوتًا مميزًا. ومعرفتهم هي أن تسمع مسيرتها كلها ممدودةً أمامك سلسلةَ تعاوناتٍ متعاقبة.
محمد القصبجي — أول المجدّدين
قبل الجميع كان محمد القصبجي، عبقريُّ العود الذي بدأ يلحّن لها في منتصف العشرينيات، بُعيد وصولها إلى القاهرة. كان أول مجدّديها الكبار: ابتكر المونولوج المصري — الأغنية الدرامية المتصلة التحرّرة من التكرار المقطعي — ووسّع تقليد المقام بتوافقات وألوانٍ آلية لم يجرؤ عليها أحد قبله. وحين تحوّل ذوقها لاحقًا إلى غيره، قبِل القصبجي مصيرًا أهدأ بوفاءٍ نادر، فبقي عوّاد فرقتها، جالسًا قربها على المسرح في كل حفلة حتى وفاته سنة 1966. المجدّد الذي فتح طريقها أمضى عقوده الأخيرة يصاحب موسيقى غيره.
زكريا أحمد — صوت الشارع
إن كان القصبجي يتطلّع صعودًا نحو موسيقى الفن، فقد تطلّع زكريا أحمد خارجًا إلى الشارع المصري. أغانيه أشدّ ما في ذخيرتها التصاقًا بالأرض وأكثرها بهجةً بالعامية — مبنيةً على ظُرف القاهرة وحسّها الشعبي، وعلى إدراكٍ لا يخطئ لما يحبّه جمهور الناس. وكثيرًا ما عمل مع شاعر العامية بيرم التونسي، فمنحها دلال غني لي شوي شوي وطرافة أغانٍ مثل أهل الهوى. وحيث كان غيره يقصد السامق، قصد زكريا الصادق، وتبقى ألحانه خزّانًا للطرب المصري الأصيل بلا تكلّف.
رياض السنباطي — الشراكة الطويلة
لم يكن تعاونٌ أعمق ولا أطول من التعاون مع رياض السنباطي. كان قبل كل شيء ملحّن ذخيرتها الكلاسيكية — أستاذ تلحين القصيدة، الشعرِ الفصيح المغنّى، يدع بحر البيت ومعناه يقودان اللحن. صاغت يده الأطلال ورباعيات الخيام والقصائد الدينية والكلاسيكية الكبرى. ولحّن لها أكثر من أي ملحّن آخر — مئات الأغاني عبر أربعة عقود — ويُقال إنها لقّبته بـ«العبقري». وحين يتحدث الناس عن الروائع الشامخة الممتدة ساعةً من نضجها، فإنهم يتحدثون غالبًا عن السنباطي.
محمد عبد الوهاب — لقاء العملاقين
عقودًا طويلة وقف محمد عبد الوهاب — وهو بنفسه عملاقٌ من عمالقة الموسيقى المصرية، مغنيًا وملحّنًا معًا — على مسافةِ احترام، النِّدَّ الوحيد الكبير بما يكفي لمنافستها. وجاء تعاونهما المنتظَر أخيرًا سنة 1964 بأغنية إنت عمري، التي عُرفت وحُفظت باسم لقاء العملاقين. كانت حدثًا هائلًا، وفتحت فصلًا متأخرًا خصيبًا: فكّروني وأمل حياتي وغيرهما، أغانٍ زوّجت صوتها بتوزيعات عبد الوهاب الفسيحة الكوزموبوليتانية، بل بالغيتار الكهربائي وأورغ الستينيات.
بليغ حمدي — الجيل الشاب
أصغر ملحّنيها الكبار، جلب بليغ حمدي طاقةَ عصرٍ جديد ودفعه الإيقاعي إلى عقدها الأخير. فصارت ألف ليلة وليلة — تلك المتاهة الشاسعة المتلألئة — من أحبّ أعمالها المتأخرة، وأظهرت أغانٍ مثل حبّ إيه وفات المعاد كيف يستطيع الذوق الشعبي الحديث أن يخدم مع ذلك حجمها الجليل. وأن تأتمن ملكةُ الغناء العربي المتوّجة ذخيرتها لملحّنين يصغرونها جيلًا كاملًا لهو ذاته مقياسٌ لانفتاحها.
الدائرة الأوسع
وحول هؤلاء الخمسة تحرّك آخرون منحوها أغانيَ لا تُنسى — ومنهم سيد مكاوي، الملحّن القاهري الكفيف صاحب يا مسهّرني، أحد آخر نجاحاتها الكبرى. وهذه الدائرة مجتمعةً هي السبب في ألّا يشبه عقدٌ من عقود أم كلثوم عقدًا آخر تمامًا: اختارت ملحّنيها بعناية اختيارِهم نغماتِهم، وقوسُ صوتها في النهاية هو قوس الرجال الذين كتبوا له.